عبد الرحمن بدوي

236

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

الشئ الذي يقلب الأجساد فضة - وكذلك سائر الأجساد هذا سبيلها . وذلك أن الشئ - أعنى به العمل - إذا داخل الجسد الذي يخالفه في البدء أحدث فيه شكله الذي هو قلب الأشياء ولم يقدر على نهاية استحالته ؛ فيكون حينئذ الجسد الذي قد خالط العمل قد حوى مع القوة على الاستحالة والقلب إلى طبعه في أوان جسدانيته . فهو يقلب الأشياء بالقوة التي ألبسته إيّاه العمل ، ويكون قلبه إيّاه [ 35 ب ] إلى ذاته لما قد بقي فيه من قوة الطبع الجسدانى . وقول الفيلسوف : إن من الناس من عمل وفرغ وحزم المراد - فإن ذلك إنما أتى من جملة هذا الفعل . وذلك أن الذي قد فرغ من العمل إذا ألقاه على بعض الأجساد فلم يظهر له فيه ما يريده وجهل أن الواجب إلقاؤه على الجسد الذي يريد أن يتولّد له مثله ، ثم يلقيه بعد ذلك على سائر الأجساد - فقد يحسّ عند الفراغ من العمل نيل غرضه . قال أفلاطون : واجعل ما تلقيه من العمل القليل على الكثير حتى لا يبلغ به إلّا حدّ الإكسيرية لنفسه دون ما سواه . قال أحمد : إنّك إن ألقيت الكثير من العمل على القليل من الجسد فربما غلب العمل بكثرته على الجسد فنقله من حدّ الإكسيرية لجوهره إلى شكله في كل الجهات ، فيصير بالمحل الذي لا يكون بينه وبين الأجساد مشاكلة فلا يولد له حينئذ جنسه . قال أفلاطون : وما فاتك بالرأي يوشك أن لا يفوتك بالامتحان . قال أحمد : من لم يؤدّه « 1 » الرأي إلى مراده والوقوف على ما يقصد إليه فإن الامتحان يردّه إلى ذلك . قال أفلاطون : واعلم أنّك قد نلت الأمر العظيم بما ولدت ، لأنه على السبيل الذي رتبنا مقوّ لكل شئ ومولّد له . قال أحمد : عظّم الفيلسوف هذا الأمر وفخّمه ؛ وليس تعظيمه إيّاه لما يدرك به من

--> ( 1 ) ص : يؤدبه .